خطاب الأمين العام بمناسبة فاتح مايو 2017

في .

الحمد لله الذي أنعم وهدى ويسر وأسدى.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين رؤوفا رحيما بالمؤمنين.
أيها المناضلون أيتها المناضلات
إننا نلتئم اليوم - على غرار سائر العمال في العالم - تأكيدا على مواصلة السير نحو استكمال المسيرة التاريخية للشغيلة، وفرضا لاستيفاء كافة حقوقها، ودفاعا عن كل مكتسباتها.
إن الاحتفال بهذا اليوم العالمي ليس ترفا ولا روتينا، بل هو إعلان لصلابة إرادة العمال، وتمسكهم بقيم الحرية والعدالة.
إننا ونحن نحتفل بفاتح مايو 2017 لنحس في أعماقنا بآهات وأنات مئات الملايين من العمال  الذين يتجرعون ظلم تواطؤ الحكومات وأصحاب الأعمال، مئات الملايين من المتكسبين بعرق جبينهم، الساعين لإسعاد الناس وعمارة الأرض التي شرف الله سبحانه وتعالى بها الإنسان أحسن عمارة.
إن العمال هم صفوة الأمم وسواعدهم هي محرك تقدمها، وعلى كواهلهم تقع أعباء النهضة بالأوطان خاصة حيث ينتشر الفقر والتخلف، كحالنا في إفريقيا والعالم العربي. وما معاناة العمال إلا إحدى تجليات معاناة الأوطان، وإن إلمامة خاطفة على الوضع العالمي والوطني لتصيب ذا الضمير الإنساني الحي بالصدمة والاشمئزاز.
أولا- على المستوى الدولي والإقليمي:
يتميز الوضع الدولي والإقليمي بالسمات التالية:
- تنامي التوجه الليبرالي وسياسةالخوصصة بدفع من منظمة التجارةالعالمية والشركات متعددة الجنسيات
- تفاقم الفقر واتساع الشرخ الاجتماعي وخرق المبادئ والحقوق الأساسية للعامل - كما أقرتها منظمة العمل الدولية والقوانين الاجتماعية - من طرف الحكومات وأصحاب العمل، خاصة الشركات متعددة الجنسيات في كثير من البلدان.
- تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية الناجمة أساسا عن سوء الحكامة العالمية خصوصا في الدول السائرة في طريق النمو.
- اضطراب أسعار الموارد الأولية التي تمثل أساس اقتصاديات الدول النامية كأسعار الحديد.
- تنامي الهيمنة الغربية وعودة الاستعمار المباشر وتفاقم الأوضاع في بعض البلدان بفعل الانقلابات والثورات المضادة وتصاعد قوة الظواهر الإرهابية وشبكات التهريب في المنطقة. 
- التحلل من القيم الإنسانية وتراجع الأيديولوجيا والمبادئ لصالح الانتهازية المادية.
- تحول مناطق واسعة في إفريقيا والعالم العربي إلى ساحات صراع للاعبين دوليين وإقليميين يتبارون في توظيف مختلف آليات الصراع عسكريا وسياسيا على أديمها.  
ثانيا: على المستوى الوطني
تتأثر بلادنا بالأزمة المالية الدولية وإفرازات الليبرالية، مما جعل الوضع الوطني متسما بما يلي:
1- على المستوى السياسي:
- تعثر السلطات في إيجاد حلول ملائمة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية،
- استحواذ السلطات على وسائل الإعلام العمومية،
- غياب دولة القانون وتجاهل قوانين العمل والضمان الاجتماعي،
- إصرار الحكومة على تنظيم استفتاء على تعديلات دستورية غير توافقية، ولا شرعية.
2- على المستوى الاقتصادي:
لقد أثر المناخ السياسي المتأزم أثر سلبا على مناخ الأعمال والاستثمار، ما أدى إلى انكماش كبير في الاستثمار.
وقد شهد البلد خلال السنوات الأخيرة نشاطا محموما لشركات التنقيب واستغلال مناجم النحاس والذهب في أكجوجت وتازيازت بالإضافة إلي مناجم الحديد في الشمال، جعل الاقتصاد الموريتاني معتمدا بصورة أساسية على القطاع المعدني نظرا إلي ما تتوفر عليه البلاد من موارد معدنية هائلة، غير أنه يستغل من طرف شركات أجنبية طبقا لاتفاقات مجحفة، مما جعل عائداته لا تتناسب وحجم الاستغلال، وهو ما يحتم مراجعة تلك الاتفاقيات بما يتيح استفادة حقيقة من هذه الثروة، وفرض رقابة صارمة للتقيد بها، فضلا عن كل ذلك أضحت المداخيل تشهد تراجعا شديدا بسبب الاضطراب الحاد في أسعار الحديد.
ويلعب قطاع الخدمات دورا بارزا في الاقتصاد الوطني بفعل استقطابه لأعداد كبيرة من اليد العاملة الوطنية غير أنه يعاني - تماما مثل مختلف القطاعات - من مشاكل جمة.
3- على المستوى الاجتماعي:
إن الوضعين السياسي والاقتصادي السالفي الذكر رافقهما وضع اجتماعي صعب وتدهور سحيق في القوة الشرائية للمواطنين، وهو ما خلق أزمة فعلية كانت نتيجة حتمية للعبثية والالتفاف على المصالح العامة، فأصبحت غالبية المواطنين تعيش تحت خط الفقر، الذي ينزاح كل يوم مستحوذا على مساحات واسعة من فئات المواطنين نظرا للعوامل التالية:
- ارتفاع مذهل لمعدل البطالة 31% (هو الأكبر من نوعه في شبه المنطقة)، بفعل غياب سياسة تشغيل ناجعة والتسريح الجماعي للعمال، وهذه الأرقام تؤكدها التقارير الدولية رغم ادعاء الحكومة الموريتانية تراجع النسبة.
- الضعف الكبير في شبكات الحماية الاجتماعية وهو ما يتمثل في عتاقة النصوص المنظمة للحماية الاجتماعية، وعدم ملاءمتها للواقع، وعدم تعميم نظام التأمين الصحي، كما تنتشر ظاهرة عدم التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني، ويلحظ غض الطرف عن ذلك من قبل مفتشيات الصندوق.
- الدوس على النصوص – رغم ما بها من عيوب – من طرف من يفترض منهم حمايتها، وهكذا ينتشر التعاقد غير القانوني في مؤسسات الدولة.
- انتشار العمالة الهشة التي لا يتمتع أصحابها بأي ضمان اجتماعي ولا بالحد الأدنى للأجور في بعض الحالات.
- غياب الحوار الاجتماعي الجاد في ظل هذه الوضعية الاجتماعية المتردية، وهو ما يتجلى في الاستهزاء بالمفاوضات الجماعية التي أطلقت الحكومة نهاية مايو 2016، ومضى عليها قرابة سنة دون توقيع أي محضر بخصوص الملفات المطروحة على طاولتها، ما يعني أنها باتت مفاوضات عقيمة وأشبه بعملية سيزيفية لاطائل من ورائها، ماحدا بنا في الكونفدرالية إلى التنديد بتعطيلها تحت شعار مركزي لهذا العام.
- تعمد الحكومة تقييد الحريات النقابية وخاصة الحق في الإضراب والتظاهر، بسبب شدة الترتيبات القانونية، إضافة إلي سعيها الدؤوب لتغذية وتكريس التشرذم النقابي، وتعويض العمال المضربين بآخرين يحلون مكانهم أثناء الإضراب، خرقا لكل القوانين والنظم.
- الارتفاع الفاحش في أسعار المواد الأساسية، سواء تعلق الأمر بالأسماك أو السكر أو الأرز أو الأدوية المشكوك في فاعلية أكثرها، أو الوقود وهذا الارتفاع يفند كل حديث مغالط عن التحكم في التضخم وتراجع مستواه، وهو ارتفاع غير ناجم عن التأثيرات الموضوعية بل عن جشع أصحاب الأعمال وتواطؤ الحكومة وانعدام سياسة ناجعة تدعم المواد الضرورية، ولهذا قررنا أن نخلد هذه التظاهرة للمرة الثانية على التوالي تحت شعار: "أوقفوا ارتفاع الأسعار ... قبل اكتمال الانهيار" ومع ذلك ما تزال الأسعار في تصاعد مستمر دون اكتراث من الحكومة بهذا الأمر.
- جمود الأجور وانسداد المفاوضات الجماعية الجادة.
- إصدار الصندوق الوطني للتأمين الصحي (CNAM) في 29 نوفمبر 2016 قرارا بإيقاف تعويض الاستشفاء بالمصحات والعيادات والمختبرات الخاصة في جميع الإجراءات باستثناء الوصفات الطبية، وهو ما ترافق مع تعطل العديد من الأجهزة ووسائل الفحص في المستشفيات العمومية، مما جعل 60.000 مؤمن رئيس وعائلاتهم (حدود 300.000 مواطن موريتاني) مضطرين إلى مراجعة العيادات الخاصة دون تمكنهم من الحصول على أي تعويض من طرف (CNAM).
ويمثل إصرار الحكومة على بقاء أسعار المحروقات مرتفعة كارثة اقتصادية وذلك رغم انهيار أسعار البترول عالميا، كما يعتبر ضعف الاكتتاب في كثير من قطاعات الوظيفة العمومية التي تشهد ازدياد متلاحقا لمحالين للتقاعد، وهي كل عوامل تفاقم الوضع الاجتماعي الكارثي.
جمعنا الكريم
في هذا اليوم نتذكر جميع من ضحوا بحياتهم من أجل انعتاق العمال والطبقات الكادحة، بهدف التحسين من ظروف الحياة والعمل، بدء بأحداث شيكاغو وفيلادلفيا في الولايات المتحدة 1886 و1887 ووصولا إلى ازويرات 29 مايو 1968 وانتهاء بأخينا المناضل محمد ولد المشظوفي رحمة الله عليه سنة 2012.
إننا في الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية لنعلن تضامننا التام مع الحركة النقابية الدولية، والمجتمع المدني وشعوب العالم المطالبة بعالم أكثر عدالة وإنصافا، ونطالب بإشراك المنظمات النقابية في تسيير شؤون البلد من خلال ترقية حقيقية للحوار الاجتماعي والتحسين الملموس لظروف الحياة والعمل وإصلاح إدارة ومحاكم الشغل بما يمكنها من احترام المبادئ والحقوق الأساسية للعمل طبقا لاتفاقيات منظمة العمل الدولية، ولا يفوتنا هنا أن نؤكد ونجدد تضامننا التام مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لأبشع أنواع الظلم والاضطهاد، ومع طبقته العاملة خاصة.
أيها المناضلون أيتها المناضلات
في هذا اليوم، نجدد نداءنا من أجل تحقيق وحدة العمال في جميع المنظمات النقابية المهتمة بمصالح العمال في بلادنا، وندعو إلى تنظيم تمثيلية نقابية موضوعية وجدية، كما ندعو الحكومة وأصحاب العمل إلى السهر على الالتزام بأحكام الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية، باعتبار ذلك ضامنا رئيسا للحفاظ على السلم الاجتماعي في البلد وتنميته، ونوجه الدعوة للعمال إلى الوقوف صفا واحدا مشكلين سورا منيعا دفاعا عن حقوقهم وحماية لها.
عاش فاتح مايو، اليوم الدولي للعمل.
عاش التضامن الدولي للعمال.